ابن رضوان المالقي

19

الشهب اللامعة في السياسة النافعة

منذ عام 749 رئيس الكتاب ورئيس ديوان الانشاء . فهل عزف ابن رضوان عن قبول المنصب وهو في محنته ومنفاه مع حاشية السلطان المكدود المعزول ؟ ، والذي كان يحارب ابنه أبا عنان حربا يائسة ، عزف ابن رضوان عن قبول هذه الدعوة من سلطان غرناطة ، لكي يتجنب العمل مع ابن الخطيب ، كبير الكتاب الطامح إلى الوزارة بل إلى أكثر من الوزارة . وأن يتجنب الصراع في البلاط ، ومن المحتمل أن يكون الأمر كذلك ، وقد استفاضت حينئذ أخبار لسان الدين ابن الخطيب واخبار طموحه ، ودسائسه ومؤامراته في سبيل التوصل إلى مبتغاه . وكان ابن رضوان ( حذرا ) ، حذرا بمعنى الكلمة ، يعرف تماما أين يضع قدميه . ولكن لا يمكننا أن ننسى أيضا الأسباب الأخرى : ولاءه المطلق لبني مرين ، وقد بقي في الحقيقة وفيا لابناء أبي الحسن المريني حتى اللحظة الأخيرة من الحياة : عزوفه عن الأندلس عامة - وهي في مهب العاصفة الأخيرة ، التي ستصل إلى عتوها في القرن التالي ، فتقتلع الإسلام اقتلاعا من أرض الأندلس - . ونعود إلى صلات الرجلين : ابن رضوان وابن الخطيب ، في عام 755 ه ، وصل ابن الخطيب إلى المغرب سفيرا من السلطان الغني باللّه أبي عبد اللّه محمد إلى السلطان أبي عنان . وفي هذا العام كان ابن رضوان كبير الكتاب ، ولا شك أن الرجلين قد تقابلا في البلاط المريني : كبير كتاب بني الأحمر مع كبير كتاب بني مرين ، كلاهما أديب شاعر ناثر ، وكلاهما اندلسي ، والدسائس والمؤامرات والمكائد ، تحيط بالاثنين وتلتف حتى بعرشي صاحبيهما السلطانين ، ولكن أحدهما وهو ابن رضوان ثابت الشخصية لا يشعر بالقلق الداخلي ولا بالنزوات النفسية الفتاكة التي كانت تعتلج في أعماق ابن الخطيب . الأول صقله العلم من ناحية ، والتصوف من ناحية أخرى ، وكان ابن رضوان قد درس التصوف علما وعملا على شيخين من كبار الشيوخ المتصوفة في مالقة أحدهما ابن منظور وقد ألبسه ( خرقة التصوف ) ثم الثاني أبو عبد اللّه الطنجالي - وقد غرس في أعماقه الكثير من حقائق التصوف - وكان تصوف الرجلين أقرب إلى التصوف الأخلاقي العملي ، اعداد الإنسان لتلقي الحياة وتقلباتها وتلويناتها بالطمأنينة والمراقبة والخشية . وقد كان ابن رضوان هكذا مراقبا لنفسه كثير الدمعة موطئا بابه لكل طالب ، نائيا عن التآمر والتواطؤ والكيد . بينما نرى الآخر ابن الخطيب على النقيض تماما ، انه درس التصوف ، كما درس الفلسفة والطب على الفيلسوف أبي زكريا يحيى بن هذيل ، بل